عبد القادر الجيلاني

90

فتوح الغيب

المقالة التّاسعة في الكشف والمشاهدة يكشف للأولياء والأبدال من أفعال اللّه ما يبهر العقول ويخرق العادات والرّسوم ، فهي على قسمين : جلال ، وجمال . فالجلال والعظمة يورّثان الخوف المقلق والوجل المزعج ، والغلبة العظيمة على القلب بما يظهر على الجوارح . كما روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : كان يسمع من صدره أزيز كأزيز المرجل في الصّلاة من شدّة الخوف « 1 » . لما يرى من جلال اللّه عزّ وجلّ وينكشف له من عظمته . ونقل مثل ذلك عن إبراهيم خليل الرّحمن - صلوات اللّه عليه - « 2 » ، وعمر الفاروق رضي اللّه عنه .

--> ( 1 ) رواه ابن المبارك في الزهد ( 109 ) والإمام أحمد ( 4 / 25 و 26 ) وعبد بن حميد ( 514 ) وأبو داود ( 904 ) والترمذي في الشمائل ( 322 ) والنسائي ( 3 / 13 ) وابن خزيمة ( 900 ) وأبو يعلى ( 1599 ) وابن حبان ( 665 و 753 ) وأبو نعيم في الحلية ( 2 / 211 ) والبيهقي ( 2 / 251 ) والشعب ( 774 و 2048 و 2049 ) عن عبد اللّه بن الشخير رضي اللّه عنه قال : أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو يصلّي ، ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء . وقال ابن قيّم الجوزية في إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ( 1 / 118 - 119 ) : قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [ مريم : 83 ] . قال ابن عباس : تغريهم إغراء . وفي رواية : تشليهم إشلاء . وفي لفظ : تحرضهم تحريضا . وفي آخر : تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا . وفي آخر : توقدهم . أي : تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته . قال الأخفش : توهجهم . وحقيقة ذلك : أن الأزّ : هو التحريك والتهييج ، ومنه يقال لغليان القدر : الأزيز ، لأن الماء يتحرّك عند الغليان . ومنه الحديث : لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء . قال أبو عبيدة : الأزيز : الالتهاب والحركة ، كالتهاب النار في الحطب ، يقال : إزّ قدرك ، أي : ألهب تحتها بالنار ، وأيزت القدر : إذا اشتد غليانها . فقد حصل للأزّ معنيان : أحدهما : التحريك . والثاني : الإيقاد والإلهاب ، وهما متقاربان ، فإنه تحريك خاصّ بإزعاج وإلهاب . ( 2 ) قال الغزالي في الأربعين في أصول الدين ( 382 بتحقيقي ) : قال أبو الدّرداء رضي اللّه عنه : كان أزير -